أبو حيان التوحيدي: الفيلسوف الذي أحرق كتبه

 

خلّصني أيها الرجل، من التكفّف، أنقذني من لبس الفقر، أطلقني من قيد الضُّر، اشترني بالإحسان، اعتبدني بالشكر، اكفني مؤنة الغَداء والعَشاء. إلى متى الكُسَيرة اليابسة، والبُقَيْلة الذاوية، والقميص المرقَّع؟!

أبو حيّان التوحيدي يشكو فاقته وفقره لصديقه أبي الوفاء المهندس

كان مُتَفَنِّنًا في جميع العلوم من النحو واللغة والشعر والأدب والفقه والكلام، وكان جاحظيًا، يسلُك في تصانيفه مسلك الجاحظ، ويشتهي أن ينتظم في سلكه، فهو شيخ في الصوفية، وفيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، ومحقق أهل الكلام، ومتكلم المحققين، وإمام البلغاء، فَرْدُ هذه الدنيا الذي لا نظير له ذكاء وفِطنة، وفصاحة ومُكْنة، كثير التحصيل للعلوم في كل فن، حُفَظَةُ واسع الرواية والدراية[1].

بهذه الكلمات الجامعة عرّف ياقوت الحموي بأبي حيان التوحيدي في «معجم الأدباء»، فهو أحد أبرز الأعلام في تاريخ الثقافة والعربية، اسمه علي بن محمد بن العباس، كنيته أبو حيان، ولقبه التوحيدي، وقد غلب عليه هذا اللقب لأن أباه كان يبيع نوعًا من التمر في العراق يقال له «التوحيد»، ويُحتمل أن يكون اللقب نسبة إلى التوحيد وهو الدين والعقيدة، لأن المعتزلة كانوا يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد.


مولد أبي حيان وعصره

عاش أبو حيان منذ ألف عام في القرن الرابع الهجري، ولا يُعرف على وجه الدقة تاريخُ مولده، ومدة حياته، وهو شأن كثير من أعلام ذلك الزمان. لكنه عاش على الأرجح بين عامي 311 هـ و414هـ، ونَيَّفَ عمره على التسعين، وقد يكون تجاوز القرن.

وعلى الرغم من أن هذا العصر الذي عاش فيه أبو حيان كان عصر ضعف وانهيار من الناحية السياسية، فقد فسدت فيه أحوال الدولة العباسية ولم تبق لهم كلمة مسموعة، ولا قوة نافذة ولا كيان يرتجى معه البقاء، فاستولى البُوَيْهِيُّون على بغداد، وتمزقت البلاد إلى ممالك ودويلات صغيرة، وكثر القتل في الخلفاء. على الرغم من ذلك كله فقد أبقت الأمة على قوتها المفكرة؛ فنشطت الحياة الأدبية والثقافية في ذلك العصر وازدهرت أيما ازدهار، ونشأت في ظل الممالك المتخبطة المتناحرة زمرة صالحة من العلماء والأدباء بقوة التسلسل المنبعثة من القرن الثالث الهجري، كانوا أحرص الناس على العلم والمعرفة.

نشأ أبو حيان في هذه الأجواء فقيرًا معوزًا، فاحترف مهنة «الوراقة» أو النسخ في بغداد مدة طويلة، تلك المهنة التي مكّنته من اكتساب زاد عظيم من العلم والمعرفة، لما تقتضيه من كثرة القراءة وطول مصاحبة الكتب. فاتسعت ثقافته التي التقطها من بطون تلك الكتب والتي أخذها كذلك من أفواه رجال العلم،  فأخذ النحو عن أبي سعيد السيرافي، وعلي بن عيسى الرماني، وهما من هما بين أعلام ذلك الزمان، وأخذ الفقه الشافعي عن أبي حامد المَرْورُوذي، وقد تعلّق به أبو حيان تعلقًا شديدًا، وذكر سر هذا التعلق في «البصائر والذخائر» فقال: «لأنه أنبل من شاهدته في عمري، وكان بحرًا يتدفق حفظًا للسير، وقيامًا بالأخبار، واستنباطًا للمعاني، وثباتًا على الجدل، وصبرًا في الخصام»[2]. ودرس الحكمة والفلسفة والمنطق على أبي سليمان محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني، كما تتلمذ على كتب من لم يتمكن من رؤيتهم من العلماء، وعلى رأسهم أستاذه الجاحظ، الذي وجد فيه بغيته، يقول: «أنا اللهجُ – أيدك الله – بكلام أبي عثمان ولي فيه شركاء، من أفاضل الناس، فلا تنكر روايتي لكلامه، فإن فيه شفاء وبه تأدب ومعرفة»[3].


مصنفاته وأسلوبه

كانت مؤلفات أبي حيان انعكاسًا لطبيعة تكوينه الفذّ، ولثقافته العميقة الواسعة، فقد صنف كتبًا ورسائل كثيرة؛ حتى عُد من أفراد عصره الذين اشتهروا بكثرة التأليف في فنون شتى من المعرفة، وكان له أسلوب ينسج فيه على منوال الجاحظ، جمع البلاغة والفصاحة ونصاعة البيان وفحولة الألفاظ وثراء المعاني، وكثر فيه إيراد النوادر والملح والفكاهة، حتى لتطرب له نفس القارئ أشد الطرب. وله عدة كتب مطبوعة منها «الامتاع والمؤانسة»، وهو مصدر ثمين لمعرفة تراث أبي حيان والوقوف على طبيعة الحياة الفكرية والاجتماعية في عصره. وهو أنفع كتب أبي حيان وأمتعها، ولعل من أبلغ ما قيل في وصف هذا الكتاب عبارة القفطي في «تاريخ الحكماء»: «هو كتاب ممتع على الحقيقة لمن له مشاركة في فنون العلم، فإنه خاض كل بحر، وغاص كل لُجَّة»[4]. والكتاب مؤلف من عدة مسامرات في فنون شتى، حاضرَ بها التوحيديُّ الوزيرَ أبا عبد الله العارض، في أربعين ليلة على غرار «ألف لية وليلة»، غير أن موضوعات أبي حيان كانت واقعية وصحيحة إلى حد كبير. ومن نافلة القول أن هذا الكتاب انفرد بإيراد وثيقتين مهمتين: أولاهما النص الذي كشف لنا مؤلفه «رسائل إخوان الصفا»، والثانية تلك المحاورة الممتعة التي دارت بينه وبين أبي سعيد السيرافي ومَتَّى بن يونس القنائي حول المفاضلة بين النحو العربي والمنطق اليوناني. وفيه كذلك وصف تاريخي دقيق لحوادث خطيرة جرت في بغداد والموصل والكوفة.

ومن كتبه كذلك «البصائر والذخائر»، وفيه ألوان شتى من المعرفة كذلك، وليس له منهج موضوعي جامع، ولذا جاء حشدًا عجيبًا من المعارف والحكم، ففيه مسائل في اللغة والتصوف والنوادر والتاريخ والشعر والحكمة والفكاهة والمجون. وقد ذكر أبو حيان أنه جمعه في خمسة عشر عامًا مما سمع وقرأ. وقد أثبت في مقدمته المصادر التي قرأها واستمد منها مادته، وفي صدارتها كتب الجاحظ، وعيون الأخبار لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب النوادر لابن زياد، ومجالس ثعلب وأوراق الصولي وجوابات قدامة وغيرها.

وله كذلك كتاب «المقابسات» الذي يحتوي على 106 مقابسات أو محاورات بين العلماء مختلفة الطول، تبحث كل واحدة منها في موضوع مستقل، من موضوعات الفلسفة والأخلاق والإلهيات والطبيعة وقضايا النفس الإنسانية. وقد جاءت في قالب أدبي تكثر فيه الملح والنوادر. وله كذلك كتاب «الهوامل والشوامل» وهو يتألف من أسئلة في موضوعات أدبية واجتماعية وفلسفية وأخلاقية ونفسية ولغوية وجهها أبو حيان إلى مسكويه فأجاب عنها، وهو يدلنا على ما كان يشغل ذهن العلماء في ذلك العصر من قضايا المعرفة، وبخاصة المعرفة اليونانية، التي صبغت بالصبغة العربية الإسلامية.

ومن كتبه الذائعة «أخلاق الوزيرين»، وقد تعددت أسماء هذا الكتاب فهو «مثالب الوزيرين» و«ذم الوزيرين» و«أخلاق الوزيرين». ألفه بأثر من الخصومة مع الوزيرين ابن العميد والصاحب ابن عباد، وهو تحفة أدبية ثمينة، يهجو فيه الوزيرين ويصف أحوالهما وأخلاقهما، مع التحامل عليهما والغض من شأنها وبخاصة ابن عباد، حتى لقد عد هذا الكتاب أهجى ما أثر من النثر العربي على الإطلاق.

ومن كتب أبي حيان كذلك «الإشارات الإلهية والأنفاس الروحانية» وهو كتاب في التصوف، ضمنه أبو حيان خلاصة تجاربه الروحية، ويغلب على أسلوبه الرمز والغموض والإشارات والألغاز، وقد وصفه عبد الرحمن بدوي بقوله: «إن الكتاب يعبر عن نفس دلفت إلى الإيمان المستسلم بعد أن عانت من تجارب الحياة أهوالًا طوالًا»[5]. وارتفع أسلوبه فيه إلى درجة لم يبلغها أحد من المتصوفة من قبل.

وله من الكتب والرسائل أيضًا «الصداقة والصديق»، و«رسالة في علم الكتابة» وهي بحث صغير كتبه التوحيدي الذي مارس مهنة الوراقة ردحًا طويلًا من الزمن، تحدث فيه عن الكتابة وأنواع الخطوط العربية وأنواع الأقلام، ومعاني الخط وغيرها. و «رسالة في ثمرات العلوم»، و«رسالة الحياة».


يوم أحرقَ كُتبه!

كانت العرب قديمًا تقول لمن ساء حاله ووقع في حبائل العوز والحاجة والفقر: «أدركته حُرْفَةُ الأدب»، وكأن رجال الأدب هم أشد الناس فقرًا على مر الزمان حتى صاروا مضرب المثل في شدة الحاجة والحرمان؛ حتى قال شاعرهم:

لَقَد عَلِمتُ وَما لي ما أَعيشُ بِهِ ** أن التي أدْرَكَتْني حُرْفَة الأَدَبِ

والجدير بالذكر أن كلمة «حُرفة» بضم الحاء لا بكسرها، خلافًا لما ذاع على ألسنة الأدباء والكتاب؛ وذلك لأن «حُرفة» بالضم تعني الحرمان والفقر وسوء الحظ وهي أدل على المراد.

وقد أصابت حُرفة الأدب هذه صاحبنا أبا حيان، إذ نشأ يتيمًا في عائلة فقيرة من عائلات بغداد، يعاني شظف العيش ومرارة الحرمان. وحين شب عن الطوق، امتهن حرفة الوراقة، وكان يسميها «حرفة الشؤم». فعلى الرغم من أنها أتاحت له  التزود بالمعارف العظيمة التي جعلت منه مثقفًا موسوعيًا فإنها لم ترضِ طموحه، ولم تلبِ حاجاته فانصرف عنها إلى الاتصال بكبار رجال السلطة في عصره من أمثال ابن العميد والصاحب بن عبّاد والوزير المهلبي يتكففهم، وهو عارف بأن استجداءهم ضرب من ضروب المذلة الفادحة، فعل ذلك ربما لجهله بمكانته الأدبية، وكان يعود في كل مرة صفر اليدين، خائب الآمال، ناقمًا على عصره ومجتمعه.

وللرجل نصوص منتشرة في كُتبه تقطر مرارة وألمًا من شدة الشكوى من الفقر والعوز والحرمان، ومن الحياة والناس، استمعوا إليه في آخر كتابه «الإمتاع والمؤانسة» يخاطب صديقه أبا الوفاء المهندس: «خلّصني، أيها الرجل، من التكفّف، أنقذني من لبس الفقر، أطلقني من قيد الضُّر، اشترني بالإحسان، اعتبدني بالشكر، اكفني مؤنة الغَداء والعَشاء. إلى متى الكُسَيرة اليابسة، والبُقَيْلة الذاوية، والقميص المرقَّع؟… إلى متى التأدّم بالخبز والزيتون؟ والله قد بُحّ الحَلْق، وتغيّر الخَلْق، اللهَ اللهَ في أمري!… أيها الكريم، ارحم! والله ما يكفيني ما يصل إليّ في كل شهر من هذا الرزق المقتَّر الذي يرجع بعد التقتير والتيسير إلى أربعين درهمًا، مع هذه المؤونة الغليظة، والسفر الشاق، والأبواب المحبَّبة، والوجوه المقطّبة، والأيدي المسمَّرة، والنفوس الضيّقة، والأخلاق الدنيّة»[6].

ويبدو أن أحدًا لم يُصغِ إلى توسلاته وصرخاته، ولم يتحقق له ما يريد فبلغ به اليأس مبلغه، فأحرق كتبه ومؤلفاته، وقال حينها: «إني جمعت أكثرها للناس لطلب المثالة منهم، ولعقد الرياسة بينهم، ولمد الجاه عندهم، فحُرِمْتُ ذلك كله… لقد أمسيتُ غريب الحال، غريب اللفظ، غريب النِّحلة، غريب الخِل، مستأنسًا بالوَحشة، قانعًا بالوحدة، معتادًا للصمت، ملازمًا للحَيرة، محتملًا للأذى، يائسًا من جميع ما ترى»![7]

ولما لامَه بعض الفضلاء في حرق كتبه قال: «وكيف أتركها لأناس جاورتُهم عشرين سنة فما صحّ لي من أحدهم وداد، ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ، ولقد اضطررتُ بينهم، بعد الشهرة والمعرفة، في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء، وإلى التكفّف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق»[8]. وذكر في هذا السياق نفرًا من الفضلاء وأهل العلم سبقوه إلى مثل هذا الصنيع ومنهم أبو عمرو بن العلاء الذي دفن كتبه في بطن الأرض، وداود الطائي الذي طرح كتبه في البحر، وأبو سليمان الداراني الذي جمع كتبه في تنور وأحرقها بالنار، ثم قال: والله ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك.

‏ وهكذا كان أبو حيان الأديب الفيلسوف أشهر الذين أدركتهم حُرفة الأدب، ويصدق عليهم القول الشهير: «لا كرامة لنبي في قومه». حتى إن ياقوت الحموي عجب من تجاهل الناس له فقال: «ولم أرَ أحدًا من أهل العلم ذكره في كتاب، ولا دمجه في ضمن خطاب، وهذا من العجب العجاب»[9].

وإذا كانت هذه حال أبي حيان بين معاصريه، فإن حاله اختلفت كثيرًا عند المتأخرين في زماننا، فقد عرفوا له مكانته وحقه، وراحوا يفردونه بالكتب والمؤلفات والمقالات والدراسات، ويضعونه في الطبقة العليا التي هو جدير بها بين أرباب الثقافة العربية في عصورها الزاهرة.


[1]  ياقوت الحموي، معجم الأدباء، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، 1993، ج 5، ص 1924.

[2]  أبو حيان التوحيدي، البصائر والذخائر، تحقيق ونشر أحمد أمين والسيد أحمد صقر، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1935،ج1، ص 305.

[3]  السابق، ج2، ص 279.

[4]  القفطي، إخبار العلماء بأخبار الحكماء، ص 383.

[5]  إبراهيم زكريا، أبو حيان التوحيدي: أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، سلسلة أعلام العرب (35)، ص 117.

[6]  أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، المكتبة العصرية، بيروت الطبعة الاولى، ص 413.

[7]  أبو حيان التوحيدي، الصداقة والصديق، دار الفكر المعاصر، سورية، تحقيق إبراهيم الكيلاني ط1، 1998، ص 34.

[8]  الإمتاع والمؤانسة، ص 19.

[9]  معجم الأدباء، ص، 1924.

بقلم : محمد متولي


اترك تعليقك