أبو حيان التوحيدي .هل كان زنديقا

هوعلي بن محمد بن العباس  أحد أبرز كتاب النثر القديم, عاش أكثر أيامه في بغداد وإليها يٌنسب .

وكما امتاز التوحيدي بسعة الثقافة وحدة الذكاء وجمال الأسلوب , امتازت مؤلفاته بتنوع المادة وغزارة المحتوى , فضلاً عما تضمنته من نوادر وإشارات تكشف بجلاء عن الأوضاع الفكرية والاجتماعية والسياسية للفترة التي عاشها  وقد اعتبره ( آدم متز ) أعظم كتاب النثر العربي على الإطلاق .

وقد ترك التوحيدى كثيرا ً من المؤلفات أهمها ” الإمتاع والمؤانسة ” وهو عمل موسوعي تضمن كثيراً  من مسائل الفلسفة والدين والمنطق واللغة والنحو والحكم والأمثال والتقاليد الاجتماعية.. وله أيضا ً “الصداقة والصديق ” و

” البصائر و الذخائر ” و ” الإشارات الإلهية “.

ويعتبر التوحيدي من أهم تلاميذ مدرسة الجاحظ وقد نال حظوة ومكانة عند المؤرخين والباحثين رغم الاختلاف البين في سنة ولادته ووفاته..

ونحن هنا لا يعنينا الخلاف أوالإختلاف حول تاريخ الميلاد أو يوم وفاة الرجل ، لكن ما يهمنا ويعنينا بشده هو الخلاف والاختلاف حول إيمان الرجل وعقيدته.فحول هذه المسألة المهمة والخطيرة والحساسة ، اختلفت آراء القدماء من مصنفي المقالات والطبقات ، بشكل يدعو للحيرة وأحيانا يدعو للأسف والمرارة !

وهنا بالتحديد تبرز واحدة من أكبر السلبيات وأخطرها في حياتنا الفكرية والثقافية حين نتناول حياة وأفكار وعقائد الكتاب والمفكرين، ليس من خلال ما قالوه أو سطروه، ولكن من خلال ما قيل أو كتب عنهم من آخرين.

والحق أنه يتحتم على الباحث المتجرد والنزيه أن  يلتمس أفكار المفكرين في مقولاتهم ومقالاتهم  التي كتبوها ، وليس فيما قاله أو كتبه عنهم الآخرون ، أيا ما كان هؤلاء الآخرين ، وأيا كانت قيمتهم ومكانتهم .

ولو أردنا تطبيق هذا الكلام على أبي حيان التوحيدي، لوجدنا أننا أمام شخصية من الشخصيات المثيرة للجدل , قال عنه أبو الفرج بن الجوزي: ” زنادقة الإسلام ثلاثة : ابن الراوندي ، وأبو حيان التوحيدي ، وأبو العلاء المعري ، وأشدهم على الإسلام أبو حيان ، لأنهما صرحا ، وهو مجمج ( أي لم يصرح) ” .

وفي كتاب “سير أعلام النبلاء” لـ الذهبي توجد ترجمة لـ أبي حيان التوحيدي حيث يصفه على النحو التالي:

“الضال الملحد أبو حيان ، علي بن محمد بن العباس ، البغدادي الصوفي ، صاحب التصانيف الأدبية والفلسفية ، ويقال : كان من أعيان الشافعية.

ويواصل الذهبي : “قال ابن بابي في كتاب ” الخريدة والفريدة ” : كان أبو حيان هذا كذابا قليل الدين والورع عن القذف والمجاهرة بالبهتان ، تعرض لأمور جسام من القدح في الشريعة والقول بالتعطيل ( أي نفي الصفات عن الله )”

وفي مقابل هذا الكلام الذي يصرح باتهام الرجل في عقيدته ، نطالع أراء أخرى تنفي وتنسف هذا الإتهام ، فها هو محب الدين بن النجار ، الذي عاصر ابن الجوزي وسمع منه ولكنه خالفه في رأيه في أبي حيان فقال عنه : “كان أبو حيان فاضلا لغويا نحويا شاعرا ، له مصنفات حسنة ،وكان فقيرا صابرا متدينا حسن العقيدة “.

وعلى نفس الطريق ، يقول ياقوت الحموى في معجم الأدباء عن أبي حيان :” شيخ الصوفية وفيلسوف الأدب وأديب الفلاسفة ومحقق الكلام ومتكلم المحققين وإمام البلغاء” …”فرد الدنيا لا نظير له ذكاءً وفطنه وفصاحة… كثير التحصيل  للعلوم واسع الدراية والرواية” .. وكذلك جعله السبكى في “طبقات الشافعية الكبرى ” من فقهاء الشافعية ومن المؤرخين الكبار اللامعين .

وهنا يأتي السؤال: من أين جاء اتهام أبي حيان التوحيدي بالضلال والزندقة والإلحاد ؟

1 – على ما يبدو فإن هذا الاتهام سواء- صح أو لم يصح – قد شمل جملة الأدباء الذين تعمقوا أو تأملوا في العقائد وحكموا عليها في ضوء العقل الفلسفي.. وهذا اتجاه يجمع كل من استوقفته القضايا العقلية كابن المقفع والمتنبي وبشار بن برد والجاحظ وأبي حيان التوحيدي.

2- يجب ألا نستبعد العامل المذهبي، ونحن ننظر في آراء من حكموا على الرجل بتلك التهمة الشنيعة..فهذا وحده كفيل بحل كثير من الألغاز في المسألة.

فابن الجوزي كما هو معلوم كان حنبليا من أهل الأثر،الذين يضيقون بأهل الرأي ، فما بالنا إذا وضعنا في الحسبان أن مؤلفات التوحيدي كانت جامعة لآراء الفلاسفة والمناطقة ، على مذهب أرسطو وإخوان الصفا الذين مزجوا الأفلاطونية بالإشرافية الباطنية الغنوصية بالإسلام .

وهو الأمر الذي يستحيل أن تتقبله عقلية ومدرسة ابن الجوزي .

  ولا يختلف الذهبي في ذلك من حيث التزام مذهب المحدثين أهل الأثر،رغم كونه شافعي المذهب.

وهنا قد يكون مفيدا أن نسجل رأي السبكي وهو أيضا شافعي المذهب ، وهو من أرخ لطبقات الشافعية، و قد عانى من تعصب شيوخ عصره، حيث اتهموه هو الآخر في عقيدته ، فبعد قراءته لمصنفات أبي حيان ، وتأمل ما فيها ، نجده يكتب كلاما واضحا : ” ولم يثبت عندي إلى الآن مِن حال أبي حيان ما يوجب الوقيعة فيه ، ووقفت على كثير من كلامه فلم أجد فيه إلا ما يدل على أنه كان قوي النفس مزدريا بأهل عصره ، لا يوجب هذا القدر أن ينال منه هذا النيل “.

3- لعل احد أسباب اتهام التوحيدي بالزندقة ،هو أنه كان من هذا النوع الذي أنه يفكر ويتعقل ، ويسائل الموروث في كل شئ دون خوف أو تردد.فمثلا نراه في ( الهوامل والشوامل ) يتعرض إلى مسألة فعل الخير عند الملحد، وكذلك مسألة الحكمة الإلهية التي سماها ملكة المسائل، وذكر أنها سبب زندقة ابن الرواندي. ومثل هذه التساؤلات يعتبرها البعض من أصحاب النزعة التزمتية والمتطرفة بمثابة إعلان الحرب على الله ورسوله،في حين أنها قد لا تعدو مجرد الجرأة على طرح السؤال والشك البناء، على طريقة نبي الله إبراهيم “ولكن ليطمئن قلبي”.

4- من غير المستساغ  أن يربط ابن الجوزي بين أبي حيان التوحيدي والزنديق الشهير ابن الراوندي؟

وأظن أنه قد فعل ذلك وأتى بنموذج  يعلن إلحاده صراحة ، حتى يتم وصم التوحيدي  بوصمة “الإلحاد” في محاولة لإستعداء الرأي  العام ضده ، وبالتالي لا يستمع لكلامه أحد لأنه  خرج من دائرة الإيمان ليستقر في مربع  “الملحدين”.

5- نسي خصوم التوحيدي أو لعلهم تناسوا عن عمد، حقيقة أن الرجل كان جامعا للروايات والأفكار، وكان يضيف إلى كل ذلك من عنده أشياء تميزه عن غيره بما يمتلكه من موهبة فنية وأدبية.وهنا كان ينبغي التمييز بين ما أضافه الرجل وبين ما نقله عن الآخرين بدقة وأمانة تحسب له لا عليه.

كما أن هؤلاء الخصوم  لم يتوقفوا أمام كثير مما سجله الرجل في مصنفاته ، ومنها مثلا ماجاء في ( الإمتاع والمؤانسة ) حول محدودية العقل أمام العلم الإلهي : “فالله الذي لا سبيل للعقل أن يدركه أو يحيط به أو يجده وجدانا أولى وأحرى أن يمسك عنه عجزا واستخذاء، وتضاؤلا واستعفاء، إلا بما وقع الإذن به من جهة صاحب الدّين الذي هو مالك أزمّة العقول ومرشدها إلى السّعادات، وواقفها عند الحدود، وزاجرها عن التخطي إلى ما لا يجوز”.

وفي (الصداقة والصديق) يحدثنا التوحيدي عن الدين كأساس ودعامة في الخُلق وفي سائر ميادين العمران للدنيا والآخرة فيقول:” الدين تكليف من الله تعالى، والفتوة أخلاق بين الناس، ولا خلق إلا ما هذبه الدين، ولا دين إلا ما هذبه الخلق… فالدين هو العمود والدعامة في عمارة الدارين “

وفي كلمات لا تحتمل اللبس أو التأويل يقول التوحيدي في كتابه  ( البصائر والذخائر) : ” لكن العربية عندنا أحسن الألفاظ مخارج، وأوسعها مناهج، وأعلقها بالقلب، وأخفها على اللسان وأوصلها إلى الآذان، وكل هذه المحاسن تابعة للشريعة التي جعلها الله تعالى تمام الشرائع، ومضافة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ختم الله عز وجل به الأنبياء والرسل؛ جعلنا الله عز وجل يوم الفزع الأكبر في زمرته، كما أخرجنا في زمرة أمته، ورزقنا شفاعته، كما ألهمنا طاعته، بمنه وجوده”.

وبعيد عن اتهامات الخصوم ، فقد كان حسن ظن أبي حيان في الله وفي رحمته كبيرا وبلا حدود،لم يساوره شك في ذلك، بل كان رجاؤه في عفوه في مستوى اليقين .ففي أصعب اللحظات و أحرجها حيث يكون الموت قريبا و حاضرا، يروي ابن حجر العسقلاني في ( لسان الميزان) : أنه لما جاءت الوفاة أبا حيان التوحيدي ودخل في غمرات الإحتضار , نظر إلى جماعة من الناس كانوا بين يديه وقال :

اذكروا الله , فإن هذا مقام خوف وكلٌ يسعى لهذه الساعة .

فجعلوا يذكرونه ويعظونه ..فرفع رأسه إليهم وقال :

كأني أقدم على جندي أو شرطي، إنما أقدم على ربٍ غفور.

ومات في ساعته تلك.

تخيلوا أن يلقى أحد ربه وهو على هذه الحال من البشر والثقة واليقين ،ومع ذلك تجد من يتجرأ على الله ويتهم الرجل في دينه وفي عقيدته ، فيتهم صاحب هذا الفكر وهذا الموقف بأنه كان زنديقا ، بل وأكثر من ذلك أنه كان شر زنادقة الإسلام !!

بقلم : حاتم صادق


اترك تعليقك