الشهيد فهد العسكر التنويري الذي سبق عصره

ولد الشاعر فهد صالح العسكر في الكويت سنة 1916 “تقريباً”، ونشأ في بيئة متدينة وفي منزل يتمسك أهله بالعادات والتقاليد، وأبٍ يحرص على اصطحاب أبنائه معه إلى المسجد.

وساهمت هذه المرحلة في بنائه اللغوي جيداً حتى بدأ يكتب الشعر ويؤسس لنفسه خطاً مختلفاً في اللغة والأسلوب عن أبناء جيله بإشراف من معلمه محمود شوقي.

١ ردّ ٣ إعجاب

روحه الوثابة للمعرفة كانت المحرض الغريزي له للإنغماس في كتب الأديان والفلسفة، وكان زبوناً دائماً لمكتبة “ابن رويّح” التي تعير الكتب بمقابل رمزي، هذا الإنفتاح بدأ يظهر جلياً على قصائده التي أخذت في الإنعتاق شيئاً فشيئاً من قيود المجتمع.

يقول عبدالله زكريا الأنصاري في كتابه عن “فهد العسكر.. حياته وشعره”: “كان رحمه الله رقيق الإحساس حاد الشعور شديد العاطفة، وقد مر بأطوار مختلفة في حياته فمن تديّن قوي إلى تحرر كبير من جميع القيود والعادات”.

وتابع في موضع آخر: “أخذ يضمن شعره بعض آرائه في الدين والحياة، ويأتي بآراء وأفكار تحررية لم يعهدها الناس، حتى رموه بالكفر والجحود، ولم يكن كافراً ولا جاحداً، ورموه أيضاً بالفسق والفجور، ولم يكن فاسقاً ولا فاجراً واستمر هذا الوضع إلى أن نبذه أهله”.

لقد ظلم التاريخ فهد العسكر كما ظلمه من حوله، فعاش ومات بائساً ومنبوذاً كحال العديد من المبدعين في هذا العالم، وعاش عزلة اجتماعية مرهقة فُرضت عليه لعدم إذعانه للموروث الديني والإجتماعي.

الأمر الذي عزز شعوره بالاغتراب وزاد من حدة ثورته وتمرده على الواقع، فازدرى العادات والتقاليد، وعرَّى تناقضات المجتمع بالسخرية والهجاء من النفاق الذي يعيشه الناس.

لفت العسكر في شعره إلى اختلاف حياة الناس في مجتمعه عمَّا يعظون به، إذ يظهرون بمظهر التقوى والورع بينما هم في الحقيقة غير ذلك، وربما لا يختلف البشر في ذلك الوقت عن مجتمعات هذا الزمن.

واشتهر العسكر بأحد أبياته التي سخر فيها من المجتمع بقوله: “هات بنتَ النخل يا ابن العسكرِ، لا يُطاقُ الصحوُ في هذا البلد” *بنت النخل يقصد بها الخمرة التي تُصنع من ثمرات النخيل.

ابتلي بصحوة وعيه! تقول الدكتورة نجمة إدريس، أستاذة الأدب المقارن بجامعة الكويت في تحليلها لحياة العسكر: إن الوجود ضاق أمام شاعر “ابتُلي بصحوة وعيه”، فكان يطلب الإنعتاق والحرية من الواقع عبر سَكرة الخمر أو التماهي بالمرأة.

والتي يتخيلها أكثر عطفاً وفهماً من غيرها، فكان في ذلك يتحدى المجتمع؛ لأن الخمر والمرأة خطوط حمراء في المجتمع المحافظ، وهو ما يزيد من اغترابه ونبذه.

لم يدَّخر فهد جهداً في تجسيد صراعه المرير عن طريق الشعر، فكان له رصيد كبير من القصائد التي تتضمن تفاصيل حياته اليومية ومعاركه مع الآخرين، إلا أن معظم نتاجه ضاع بعد وفاته، وبقي الشيء القليل في صدور رواة شعره من أصدقائه ومحبيه.

في حالة العسكر كانت أسرته أول من رفضه؛ فطرده والده من المنزل، وكان مصاباً بمرض “السل” حينها، وظلت والدته الوحيدة التي تعطف عليه وتعطيه المال، فناجاها في قصيدته الشهيرة «كُفِّي الملام» والتي تلخّص معاناته بعذوبة لافتة:

كُفي الملامَ وعلليني، فالشك أودى باليقيني وتناهبت كبدي الشجون، فمَن مجيري مِن شجوني؟ وأمضَّني الداء العياء فَمَن مُغيثي؟ مَن مُعيني؟ أين التي خُلِقَت لتَهواني وباتَت تَجتَويني! الله يا أماه، فيَّ تَرَفَّقي لا تَعذُليني أرهقتِ روحي بالعتاب، فأمسكيهِ أو ذريني!

أنا شاعرٌ، أنا بائسٌ، أنا مستهامٌ فاعذُريني أنا من حنيني في جحيمٍ، آه من حر الحنينِ! ضاقت بي الدُنيا دعيني أندب الماضي دعيني وأنا السجين بعُقرِ داري، فاسمعي شكوى السجينِ بهُزال جسمي، بإصفراري، بالتجعد بالغضونِ!

ثم يُكمل مُعبِّرًا عن معاناته في مجتمع يرفضه بسبب أفكاره، كاشفًا تناقضاته وواصفًا الحياة فيه بالسجن الكبير: وطني وما أقسى الحياة به على الحرّ الأمين وألذ بين ربوعه من عيشتي كأسُ المنون قد كُنتَ فردوس الدَّخيل، وجنَّة النذلِ الخؤون! لهفي على الأحرار فيك وهم بأعماق السجون!

ودموعهم مهجٌ، وأكباد ترقرق في العيون ما راع مثل الليث يؤسَرُ وابن آوى في العرين والبلبل الغرِّيد يَهوي والغرابُ على الغصون!

ثم ينتقل من حال الوطن ليصف قصته وتجربته الشخصية معبرًا عما وصل إليه: وطني وَأَدتُ بكَ الشباب، وكل ما مَلَكَتْ يميني وقُبِرَتْ فيك مواهبي، واسْتَنزَفَتْ عللي شؤوني ودفنتُ شتى الذكريات بغورِ خافقيَ الطعينِ وكسرت كأسي بعدما ذابت بأحشائي لحوني!

وسكبتها شعرًا رثيت به الروح الحزينِ وطويتها صحفًا ظننت بها وما أنا بالظنين ورجعت صِفْرَ الكفِّ منطوياً على سرٍ دفينِ فلا أنت يا وطني المعين وما هَزارَكَ بالمدينِ! *هزارك بالمدين: يقصد بها أن غلوَّ الوطن/المجتمع لا يعني أنه مدين له.

وبعدها يشرح أسباب ما آلت إليه أوضاعه، منتقدًا المجتمع بعد أن شكا للوطن ما فعله به: وطني وما ساءَت بغيرِ بَنيكَ يا وطني ظنوني أنا لم أجد فيهم خدينًا، آه مَن لي بالخَدينِ! واضَيْعَةُ الأملِ الشريدِ وخيبةُ القلب الحنونِ رَقَصوا عَلى نَوحي وإعوالي وأطرَبَهُم أَنيني!

وتحاملوا ظلمًا وعدوانًا عليّ وأَرهقوني فعرفتهم ونبذتهم لكنهم لم يعرفوني وهناك منهم معشرٌ، أُفٍّ لَهُم كَم ضايقوني هذا رَماني بالشذوذِ وذا رماني بالجنونِ وهناكَ مِنهُم من رَماني بالخَلاعَةِ والمُجونِ وتطاولَ المُتعصبونَ وما كَفَرْتُ وكَفّروني!

الله يشهَدُ لي وما أنا بالذليلِ المُسْتَكينِ لادرَّ درَّهمُ فلو حُزْتُ النِّضار لألّهوني! أو بِعتُ وِجداني بأسواق النفاق لأكرموني أو رحت أحرق في الدواوين البُخورَ لأنصفوني فعرفتُ ذنبي أن كَبشي ليس بالكبشِ السَّمينِ يا قوم كُفّوا، دينَكُم لكمُ ولي يا قومُ ديني!

فقدانه لمحبوبته! انتقد العسكر أساليب الزواج التقليدية في المجتمع، في زمن لم يجرؤ أحد فيه على فعل ذلك. ففي قصيدته “نوحي” ، يخاطب حبيبته ليلى التي زوجوها رجلًا غنيًّا يكبرها سنًّا، فيصف أحاسيس المحبين في مجتمع مغلق، وهي القصة التي لا تزال تتكرر في المجتمعات العربية الى اليوم.

يبدأ القصيدة مبينًا كيف أن الفروق بينه وبين حبيبته حالت دون أن يرتبطا: ليلايَ يا نجواي، يا دُنياي، يا أملي الوحيد طَوتِ الفُرُوقُ بساطنا وتنكَّر العيشُ الرّغيد والذكرياتُ مُطلّةٌ من كُوَّةِ الماضي البعيد ترنو لحاضِرنا الشقيِّ وتندبُ الماضي السعيد!

يا بنتَ من وأد الفضيلةَ بين أحضانِ الرذيلة وطغى فراح يبلُّ من دمِ كلِّ منكوبٍ غليلهْ لَهَفي على تلك المشاعر والأحاسيسِ النبيلة وعلى جمالِكِ والشّبابِ الغضِّ لهفي يا خميلة!

ثم ينتقد المجتمع وأسرتها التي قررت تزويجها رغماً عنها، ليشرح كيف تقضي التقاليد على الحب وروح الشباب: ياللشراسةِ والرعونةِ والحماقةِ والجهالةْ ياللدناءةِ والسفاهةِ والسفالةِ والنذالةْ باعوكِ بالثمن الزَّهيد، فأين يا ليلى العدالة؟ وسَقَوكِ كأساً ملؤها صاب الأسى حتى الثَّمالة!

زجّوكِ وا أسفاهُ في سجنِ التقاليدِ القديمةْ للهِ ما كابدتِ فيه من الأساليبِ العقيمةْ لا در درُّك من أبٍ فظٍّ ووالدة لئيمةْ يا قاتَل اللهُ التعصّب كم تمخَّضَ عن جريمةْ!


اترك تعليقك