الصداقة بين تأصيل ابن المقفع وأزمتها المعاصرة

بقلم :د. خالد النجار

“الصداقة” معنى أصيل في الوجدان البشري، تناوله الحكماء بالتوصيف والتحليل، وكان للأديب البارع (عبدالله بن المقفع) فيه باع فريد، حيث غاص في بحر هذا السلوك الإنساني النبيل، ورسم أبعاده وسماته في نظم بليغ يفتخر به منسوبو هذه الحضارة الإسلامية الراقية، ويزهو به أصحاب العقول الراجحة من عقلاء البشرية، إلا أن المؤسف أن تغيرات واقعنا المعاصر قد شوهت معنى الصداقة الناصع وأصابته في مقتل تارة، وبالتجريف تارة أخرى، حتى صار مفهوم الصداقة “أزمة!” تضاف إلى أزمات عصرنا، وتبحث عن حل لا يخلو من العودة إلى معانيها السامية كما رسخها الأوائل إن أرادت أن تدب فيها الحياة كما كانت على عهدها وسالفها.

 

ابن المقفع الأديب المحنك:

هو عبدالله بن المقفَّع، وكان اسمه روزبه قبل أن يسلم، ولد في حور في فارس، ولقِّب أبوه بالمقفَّع لتشنُّج أصابع يديه على أثر تنكيل الحجاج به بتهمة مد يده إلى أموال الدولة، انتقل مع والده من فارس إلى البصرة إحدى حواضر الدولة الإسلامية، وكما تضلع بالفارسية في موطن نشأته، تضلع بالعربية في البصرة.

 

كان فاضلاً نبيلاً كريمًا وفيًّا، سُئل مرة: “من أدَّبك”؟ فقال: “نفسي؛ إذا رأيت من غيري حسنًا آتيه، وإن رأيت قبيحًا أبَيْته”.

 

ومن المواقف التي تدل على صدقه ووفائه، أنه لما قُتل مروان بن محمد – آخر خلفاء بني أمية – اختفى عبدالحميد الكاتب، فعُثِرَ عليه عند ابن المقفع، وكان صديقه، وعندما سئِل الرجلان: أيُّكما عبدالحميد؟ قال كل واحد منهما: “أنا”؛ خوفًا من ابن المقفع على صاحبه.

 

ويكاد يجمع المنصفون على براعة ابن المقفع وتفرده أدبيًّا؛ فقد قال محمد بن سلام: سمعت مشايخنا يقولون: لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد ولا أجمع، ولا كان في العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع.

 

ابن المقفع والصداقة:

يقول رحمه الله: إذا نظرتَ في حال من ترتئيهِ لإخائك، فإن كان من إخوانِ الدينِ فليكن فقيهًا غير مراءٍ ولا حريصٍ، وإن كان من إخوانِ الدنيا فليكن حرًّا ليس بجاهلٍ ولا كذابٍ ولا شريرٍ ولا مشنوعٍ، فإن الجاهل أهلٌ أن يهربَ منهُ أبواهُ، وإن الكذابَ لا يكونُ أخًا صادقًا؛ لأن الكذب الذي يجري على لسانهِ إنما هو من فضولِ كذبِ قلبهِ، وإنما سمي الصديقُ من الصدقِ، وقد يُتهمُ صدقُ القلبِ وإن صدقَ اللسانُ، فكيفَ إذا ظهرَ الكذبُ على اللسانِ؟! وإن الشريرَ يُكسبكَ العدو، ولا حاجةَ لكَ في صداقةٍ تجلبُ العداوةَ، وإن المشنوعَ شانع صاحبه؛ [الأدب الكبير]؛ أي: مستنكر ومستقبح لصاحبه.

 

ويقول: على العاقل ألا يخادن ولا يصاحب ولا يجاور من الناس – ما استطاع – إلا ذا فضل في الدين والعلم والأخلاق؛ فيأخذ عنه، أو موافقًا له على إصلاح ذلك فيؤيد ما عنده، وإن لم يكن له عليه فضل؛ فإن الخصال الصالحة من البر لا تحيا ولا تنمي إلا بالموافقين والمهذبين والمؤيدين، وليس لذي الفضل قريب ولا حميم هو أقرب إليه وأحب ممن وافقه على صالح الخصال، فزاده وثبته؛ لذلك زعم بعض الأولين أن صحبة بليد نشأ مع العلماء أحب إليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجهال؛ [الأدب الصغير].

 

ويقول: الزم ذا العقل وذا الكرم، واسترسل إليهما، وإياك ومفارقتهما، واصحب الصاحب إذا كان عاقلاً كريمًا أو عاقلاً غير كريمٍ؛ فالعاقل الكريم كاملٌ، والعاقل غير الكريم اصحبه وإن كان غير محمود الخليقة، واحذر من سوء أخلاقه، وانتفع بعقله، والكريم غير العاقل الزمه، ولا تدع مواصلته وإن كنت لا تحمد عقله، وانتفع بكرمه، وانفعه بعقلك، والفرار كل الفرار من اللئيم الأحمق؛ [كليلة ودمنة].

 

ويقول: واعلم أن انقباضكَ عن الناسِ يُكسبكَ العداوةَ، وأن انبساطكَ إليهم يكسبكَ صديق السوء، وسوءُ الأصدقاء أضر من بغضِ الأعداء، فإنك إن واصلتَ صديقَ السوء أعيتكَ جرائرهُ، وإن قطعتهُ شانك اسم القطيعةِ، وألزمك ذلك من يرفع عيبكَ ولا ينشرُ عذركَ، فإن المعايبَ تنمي والمعاذير لا تنمي.

 

ويقول: البس للناسِ لباسينِ ليس للعاقلِ بُدٌّ منهما، ولا عيشَ ولا مروءةَ إلا بهما: لباسَ انقباضٍ واحتجازٍ من الناسِ، تلبسهُ للعامةِ فلا يلقونكَ إلا متحفظًا متشددًا متحرزًا مستعدًّا، ولباسَ انبساطٍ واستئناسٍ، تلبسهُ للخاصةِ الثقاتِ من أصدقائك، فتلقاهم بذاتِ صدركَ، وتُفضي إليهم بمصونِ حديثكَ، وتضعُ عنكَ مؤونةَ الحذرِ والتحفظِ فيما بينكَ وبينهم، وأهل هذه الطبقةِ، الذين هم أهلها، قليلٌ من قليلٍ حقًّا؛ لأن ذا الرأي لا يدخلُ أحدًا من نفسهِ هذا المدخل إلا بعد الاختبارِ والتكشفِ والثقةِ بصدقِ النصيحةِ ووفاء العهدِ.

 

ويقول: اعلم أن لسانك أداةٌ مُصْلتةٌ، يتغالبُ عليهِ عقلكَ وغضبكَ وهواك وجهلكَ، فكُل غالبٍ مستمتعٌ به وصارفهُ في محبتهِ، فإذا غلبَ عليهِ عقلكَ فهو لكَ، وإن غلبَ عليه شيءٌ من أشباهِ ما سميتُ لك فهو لعدوكَ، فإنِ استطعتَ أن تحتفظ به وتصونهُ فلا يكونَ إلا لكَ، ولا يستولي عليهِ أو يشارككَ فيه عدوكَ، فافعل.

 

أزمة الصداقة المعاصرة:

والمتدبر في تاريخ الفكر السياسي يجد أن الصداقة كانت دومًا عنصرًا مركزيًّا في تصور المجتمع الفاضل، فالقانون وحده لا يبني الثقة المجتمعية التي لا تحيا المجتمعات الإنسانية إلا بها، ورابطة الدم وحدها لا تكفي لضمان العدالة، ولم تخلُ فلسفة سياسية من تصور للصداقة منذ تحدث عنها أرسطو في كتاب القيم كأساس متين لعلاقة الأفراد، يمثل الأساس الذي تنبني عليه علاقة المواطنة، ثم اليهودية التي تعتبر دائرة القيم داخل الشعب المختار، في حين أن للتعامل مع الأغيار منظومة قيم مختلفة، مرورًا بالتصور المسيحي في فكر أوغسطين الذي يعتبر الأخوة المسيحية ورابطة العقيدة أساسًا لتزكية النفس وفَهْم الذات، وتوما الاكويني الذي يذهب إلى أن “معيار الخيرية” هو العطاء، واعتبار الآخرين نظراء في البشرية.

 

ولكن صعود الحداثة وصعود الأيديولوجيات في القرون الخمسة الأخيرة قدم تصورات عن الاجتماع والاقتصاد والسياسة، جعلت المصلحة والمنفعة معيار التواصل والتفاعل الإنساني، وليس التوافق والألفة، وتغيرت بناء على ذلك منظومة العَلاقات الاجتماعية، بل والسكانية، بنمو المدن التجارية، وصارت “العقلانية” معيار عَلاقة الإنسان بالآخرين وبالتساكن والارتباط برباط سياسي، العقلانية وليس العاطفية، إذ أطاحت بمركزية الصداقة بكل ما تحمله من معانٍ، والتي تأسست على رابط العقيدة (دينية أو ثقافية) أو الجيرة أو الوفاء للذكريات المشتركة التي تقوم على الاختيار المحض والميل القلبي حتى حين تقف على أرضية روابط القبيلة أو الدم، وحل محلها علاقة “المواطنة” القانونية مع الدولة، وعلاقة التعاقد مع المجتمع (العقد الاجتماعي) وعلاقات المنفعة في الاقتصاد، وأصبحت نظرية “الخيار الرشيد” التي تعتبر الإنسان كائنًا يبحث عن تعظيم المنفعة الفردية هي الحاكمة، ويقابلها في الماركسية نظريات الصراع بين الطبقات والتنافس على القوة والمال، فتمت “علمنة” العلاقات الوجدانية كالصداقة، فضلاً عن تجفيف مواردها بفضل المؤسسية التي صارت وعاءً للعَلاقات، فمن يشارك بناية السكن ليس الجار بل هو الساكن، ومن يشارك مكان العمل هو زميل العمل، ومن يشارك المهنة عضو في النقابة، ومن يشارك في المال مساهم في نفس الشركة، وهكذا.

 

ولكن حتى هذه الأفكار في تجليها الذي قلَّص من الروابط التي تقوم على المودة خارج المصلحة المادية لم تستطع أن تحل أزمة الثقة بين الأفراد و”فطرة الائتناس” التي فطر الله الناس عليها، فنجد في هوامش نظريات الحداثة مفهوم الإنسانية والخير العام، وتظهر بعد عقود طويلة في نظريات المواطنة فكرة سياسات التعاطف والرعاية، ونجد آثار ذلك في الفكر الماركسي في مفهوم الرفاق وما يحيط به من معاني الترابط؛ [د. هبة رؤوف عزت، الصاحب من فهم الذات لتأسيس المجتمعات].

 

إن المادية الحديثة قضت على كثير من الروابط الوجدانية بين البشر، وقادتهم لحتفهم العاطفي، وحولتهم لآلات صماء تعمل وتنتج بوقود النفعية والمصلحة الذاتية، وهذا بدوره قضى على منظومة القيم والراحة والسكينة النفسية، فتقطعت الروابط بين الناس وزادت معدلات الجريمة وسائر مظاهر الجنوح السلوكي والوجداني، الأمر الذي يحتاج من الجميع التكاتف من أجل رد الإنسان إلى إنسانيته وفضائله النبيلة التي تغذي روحه وتعدل سلوكه.


اترك تعليقك