الهمذاني.. مبدع المقامة

يقول الشيخ محمد عبده في تقديمه لمقامات الهمذاني: «عرف الناظرون في كلام العرب، وشهد السالكون على مناهج الأدب أن الشيخ أبا الفضل أحمد بن حسين بن يحيي بن سعيد الهمذاني المعروف ببديع الزمان، قد طبق الآفاق ذكره. وسار مثلاً بين الناس نظمه ونثره. فله الرسائل الرائقة والمقامات الفائقة والقصائد المؤنقة، وله المعاني العالية، في العبارات الحالية والأساليب الساحرة في الألفاظ الباهرة، وما أجدره بقول نفسه في وصف زهير «يذيب الشعر والشعر يذيبه، ويدعو القول والسحر يجيبه»، ولا حاجة للإطالة في ما ظهر حتى بهر، وبلغ شهرة الشمس والقمر، ومن أشرف ما امتاز به كلامه أنه يباهي كلام أهل الوبر رصانة ورفعة، ويمتزج بطباع أهل الحضر رقة ورواء صنعة. فبينما يخيل لسامعه أنه بين الأخبية والخيام. إذ يتراءى له أنه بين الأبنية والآطام».

هو بديع الزمان الهمذاني الذي يصفه التنويري الشيخ محمد عبده بأنه يذيب الشعر والشعر يذيبه، ويدعو القول والسحر يجيبه، هو الهمذاني الذي يشرح محمد عبده مقاماته وينتقد أساليبه في بعض الأحيان، حتى يترك المقامة الشامية ويغفل بعض جمل المقامة الرصافية وتحدوه الأمانة إلى تنبيه القارىء لذلك، على عكس ما يحدث هذه الأيام، هو بديع الزمان الهمذاني الذي يدعو رجل الفكر الأول في ذلك الزمان ليحقق ويشرح مقاماته، و برغم الانتقادات كافة التي وجهها البعض للمقامة، خاصة ما يتعلق بتركيزها على المحسنات البديعية وبلاغة اللفظ.. إلى آخر هذا الكلام المعهود عن المقامة، وهو كلام يورده محمد عبده في مقدمه تحقيقه للهمذاني إلا انه يواصل العمل، كاشفاً لمعاصريه أهمية ما يحتويه التراث من كنوز حتى إن اختلفت في أفكارها وتوجهاتها ولغتها فمن الأمانة تعريف الأجيال الجديدة بها.

ولد بديع الزمان الهمذاني في عام 358 ه/‏ 969م، في مدينة همذان الإيرانية لأسرة عربية استوطنت هناك، وتعهده والده بالتعليم والتثقيف، فدرس على علماء بلدته الدين واللغة والأدب، وتتلمذ على أيدي أبي الحسين أحمد النحوي، ثم انتقل إلى هراة في بلاد خراسان، ثم رحل إلى الري، حيث نال حظوة الصاحب بن عباد، ثم خرج منها إلى جرجان، فنيسابور، وهناك ناظر أديب المدينة أبو بكر الخوارزمي وانتصر عليه، وبعد سنوات توفي الخوارزمي ما فتح المجال واسعاً أمام بديع الزمان لتنتشر شهرته في خراسان وسجستان وغزنة.

تميز الهمذاني بقوة حافظة مدهشة حتى يقال إنه كان يحفظ قصيدة تتكون من أكثر من خمسين بيتا من سماعها مرة واحدة، قال عنه الثعالبي في يتيمة الدهر: «بديع الزمان ومعجزة همذان، ونادرة الفلك وبكر عطارد، وفرد الدهر، وغرة العصر، لم نر نظيره في الذكاء، وسرعة الخاطر، وشرف الطبع، وقوة النفس…الخ». ويقال انه كان يطلب منه إنشاء رسالة في معنى جديد أو غريب فيفرغ منها في ساعة، وكان يترجم الشعر الفارسي منظوماً إلى العربية في أبيات قوية مؤثرة، الأمر الذي يؤشر إلى تمكنه من اللغتين.
ويستمر الثعالبي في ذكر محاسنه، ويجتهد في أسباب وفاته في عام 395ه/‏ 1007م، حيث قيل إنه مات مسموماً في مدينة هراة، وقيل مات ب«السكتة» وعجلوا بدفنه «فأفاق في قبره، وسُمع صوته بالليل، فنُبش عنه فوجدوه قد قبض على لحيته ومات من هول القبر».
وبخلاف المقامات، ترك الهمذاني ديوان شعر، وما يقدر ب 233 رسالة أدبية، وإضافة إلى ترجمة الثعالبي له، رصد كثيرون أخباره، ومنهم ياقوت الحموي وابن خلكان والزركلي، فضلاً عن الكتابات التي ما زالت تبحث في فن المقامة، ويعتبر الحريري أبرز من تأثر به من القدماء، ومحمد المويلحي من المعاصرين.

استعملت كلمة «مقامة» منذ العصر الجاهلي بمعنى المجلس، أو من يكونون فيه، وهو المعنى نفسه الذي انتقل إلى العصر الإسلامي، مع تطور يؤشر إلى أن هذا المجلس يعقد ليقوم أحدهم واقفاً ليعظ أو يخطب، ثم تخلصت الكلمة من معنى القيام وأصبحت دالة على حديث الشخص في المجلس، سواء أكان قائماً أم جالساً، وبهذا المعنى استخدمها الهمذاني، إذ نرى أبا الفتح الإسكندري، بطل المقامات، يخطب في الناس واعظاً فأسترعى ذلك انتباه عيسى ابن هشام، راوي المقامات، فسأل بعض الحضور«من هذا»، فأجابوه «غريب، اصبر عليه حتى آخر مقامته».

امتداد إلى الصين

أما الباحثة الصينية شيرين تشيان، صاحبة الدراسة البديعة عن المقامات المنشورة في حلقات على موقع «الصين بالعربية»، وهو الأمر الذي يؤكد شهرة هذا الشكل الأدبي وذيوعه، فتعود بكلمة «مقامة» إلى بيت شعر لزهير بن أبي سلمة: «وفيهم مقامات حسان وجوههم/‏ وأندية ينتابها القول والفعل»، وترصد المصطلح عند عرب الجاهلية لتؤكد أنه رديف لمصطلح آخر مهم وهو «الأيام»، ثم تتبعه عند الجاحظ وابن قتيبة ثم تحولاته لدى الصوفية.

وتتحدث العديد من الدراسات التي تناولت المقامة عن اهتمامها باللغة تارة، حتى يشعر القارىء لتلك الدراسات بأن المقامات ماهي إلا زخرفة لغوية، ويذهب آخرون إلى البحث عن جذور فن القصة المعاصرة في المقامة، ويؤكد فريق ثالث طبيعة المقامة كشكل أدبي، وهم كثر فبجانب الهمذاني والحريري نعثر على المقامات في عيون الأخبار لابن عبد ربه، إلى الوعظ والإرشاد والتعليم، ولكن يبدو أن المقامة استوعبت كل هذا وتجاوزته لتعبر عن صورة عصر مضطرب عاشه العرب في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، ويظهر ذلك بوضوح عندما نتساءل عن سر تلون شخصية الإسكندري بطل مقامات الهمذاني، فهو مرة شحاذ، ومرة أخرى أديب، ومرة ثالثة شخصية نافذة، كأن الهمذاني يتنقل بين طبقات المجتمع كافة، ليصور التحولات العنيفة التي شهدها آنذاك، عندما بدأت الدولة العباسية تضعف ويتحكم في الخلفاء القواد الأتراك وغيرهم، وهو ما يظهر في المقامة «المضيرية» على سبيل المثال، عندما يحكي الهمذاني عن الإسكندري الفقير عند حصوله على حصير آل الفرات قائلاً: إن ذلك تحقق في «وقت المصادرات، وزمن الغارات، وكنت أطلب مثله منذ الزمن الأطول فلا أجد، والدهر حُبلى ليس يدري ما يلد».

وفي المقامة «السارية» يسرد الهمذاني عن الإسكندري النافذ قائلاً: «حدثنا عيسى بن هشام قال بينا نحن بسارية، بلد في طبرستان، عند واليها إذ دخل عليه فتى به ردع صُفار، فانتفض المجلس له قياماً وأجلس في صدره إعظاماً ومنعتني الحشمة من مسألتي له عن اسمه».

وينتقل الهمذاني إلى عالم الخرافة واعتقاد العرب في مصاحبة الجن للشعراء، ففي المقامة «الإبليسية»، يقول: «حدثنا عيسى بن هشام قال أضللت إبلاً لي فخرجت في طلبها، فحللت بواد خضر فإذا أنهار مصردة، وأشجار باسقة، وأثمار يانعة، وأزهار منورة، وأنماط مبسوطة، وإذا شيخ جالس، فراعني منه ما يروع الوحيد من مثله، فقال لا بأس عليك»، لنكتشف أن هذا الشيخ هو إبليس الذي ينشد لعيسى بن هشام قصيدة لجرير على أساس أنها من تأليفه هو، ثم ينشده أخرى لأبي نواس، وعندما يكشفه ابن هشام يغضب ثم يلقي عليه كلمات هي أشبه بالألغاز المرتبطة في الوعي الشعبي بالسحر وخلافه، وعندما يتركه يلتقي بالإسكندري وعلى رأسه عمامة فيخبره الأخير أنه أخذها من الشيخ، إبليس، فيرد عليه ابن هشام: «يا أبا الفتح شحذت على إبليس إنك شحاذ»، هنا نستمتع بالمقامة التي تتقاطع فيها جماليات القصة والحدوتة الشعبية والموعظة والأسطورة، كل ذلك مغلف بالخيال ومطرز بلغة وإن أصابتنا نحن بالملل فلا يمكن أن نطالب صاحبها منذ أكثر من ألف عام بأن يكتب بلغة عصرنا.

في مقدمة المقامة «الجاحظية» نلمح الحس الديني والأخلاقي: «حدثنا عيسى بن هشام قال أثارتني ورفقة وليمة فأجبت إليها للحديث المأثور عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهُدي إلي ذراع لقبلت»، ووجهاً آخر تكشف عنه المقامات ويتمثل في التنقل والارتحال بين بلدان ومدن مختلفة، ففي المقامة «الفزارية» يقول الهمذاني على لسان عيسى ابن هشام «كنت في بعض بلاد فزارة»، و تبدأ المقامة «البصرية» بقول ابن هشام «دخلت البصرة»، و«الأهوازية» بالراوي يقول «كنت بالأهواز»، و قول في «الأصفهانية»: «كنت بأصفهان»، وفي «الجرجانية»: «بينا نحن بجرجان»، وفي «الأذربيجانية» وبعد مغامرات لابن هشام يقول «وبلغت أذربيجان»، ويفتتح «المكفوفية» ب«كنت اجتاز في بعض بلاد الأهواز»، ويسرد في «القردية»: «بينا أنا بمدينة السلام قافلاً من البلد الحرام»، لقد استفاد الهمذاني من كثرة رحلاته حتى تحتاج مقاماته إلى دراسة خاصة للأمكنة التي يتحدث عنها، فالبطل يتنقل بسلاسة وبساطة داخل قوس العالم الإسلامي الممتد والمنبسط أمام مغامرات ابن هشام والإسكندري.

لا تقتصر المقامات على كل هذا وحسب، ولكننا نصادف فيها ما يصور الذوق الأدبي لعصر، من حيث أشعاره و أبرز كتابه، ومناظراتهم الأدبية وعادات أهله وتصورهم للعالم وطرائق سلوكهم فيه، يقول الهمذاني في المقامة «الناجمية»: «حدثنا عيسى بن هشام قال بت ذات ليلة في كتيبة من رفقائي، فتذكرنا الفصاحة، وما ودعنا الحديث، حتى قرع علينا الباب، فقلت من المنتاب، فقال وفد الليل وبريده، وفل الجوع وطريده، وغريب نضوه طلوح، وعيشه تبريح»، ثم يكرم ابن هشام ومن معه الضيف ويستمعون إلى قصته ويناقشونه فيها، ويخرجون بالعبرة منها، كأننا نقرأ بصورة أو أخرى في كتاب ألف ليلة وليلة، حيث القصة داخل القصة، والحكاية تهدف الإمتاع والإخبار، والهدف التأثير في المتلقي وإثارة خياله.

كتب الهمذاني 400 مقامة لم يصل إلينا منها إلا 52، منها: المقامة الإبليسية، الأذربيجانية، الأصفهانية، البخارية، الجاحظية، الحلوانية، السارية، الساسانية، العراقية، المجاعية، المضيرية، المطلبية، الموصلية، الوعظية، المارستانية.. الخ.

المقامات فن قائم بذاته يمتعنا ويمكننا من معرفة روح عصر بأكمله وربما يكون هذا وراء سر استمتاع البعض منا بقراءة المقامة، ودراسة البعض الآخر لها، ويكفي ما قاله الشيخ محمد عبده واصفاً المقامة برغم كل مآخذه عليها «ولكل زمان مقال، ولكل خيال مجال».

 ……………
عن جريدة الخليج


اترك تعليقك