شيطنة المُعارِض، سيرة ابن المقفع نموذج

شيطنة المُعارِض، سيرة ابن المقفع نموذج

الكاتب: عهود اللاّمي

 

 المُعارِض ليس بالضرورة إنسانا يقدِّم الرفض دائما، بل هو مجرد شخص له رأي يختلف عن رأي البعض أو لا يوافق البعض الآخر حول (كل) شيء. وفي اللغة المُعارَضة مشتقة من عارضت فلانا في السير، إذا سرت حياله. ويقال: عارضته مثل ما صنع, أي إذا أتيت إليه مثل ما أتى إليك. معنى المعارضة لغويًّا لا يحمل استعداء أو إضمار شيء لمن يقابلك؛ إنما هو مجرد محاولة أن تصنع مثله؛  أن تكون له ند, وهذا ما يكرهه أصحاب السلطة بسبب  تضخم  الكِبر لديهم. و إذا كان المعارض جاهلا، لا يُلقى له بال لأن الخوف ليس من المعارِض لذاته بل من التفاف الناس حوله و تأثيره فيهم أما إذا كان المعارض عالما وذا حجة قوية بحيث يصعُب الرد عليه ودحض مآخذه، فإنه تُشوَّه صورته في ذهنية الناس. يّقال في التاريخ هناك روايتان، لأنه دائما كان هناك معارضة. فنجد الرواية الرسمية التي تسود لزمن طويل ثم بعدها تظهر بعض الكتابات التي تُسرب و تُنصف بعض الشخصيات أو تخفف من حدة النقد لها.

في الماضي كان من السهل رمي  المعارض أو المخالف  بأشنع الصفات، ويصدق العامة ذلك لأنه لا يستطيع  الدفاع عن نفسه إلا لمجموعات صغيرة، أما في عصرنا اليوم ومع قدرة الشخص الوصول للآلاف عبر الإعلام بات قادرًا على الدفاع عن نفسه وتوضيح موقفه فنرى التهمة تحولت للتشكيك في النوايا والرمي بالعمالة لأطراف خارجية مكروهة من الشعب كالشيوعية والصفوية. كتب( لسي) “انتشرت المطويات التي تصف من قدن السيارات بداية التسعينيات بالشيوعيات ويبدو أن الشيوعية هي موضة تلك الحقبة “.

 

والشخصيات التي تعرضت لمثل هذا التشويه  في التاريخ  كثيرة  ومنها غيلان الدمشقي الذي اُتهم بالقدرية  لأنه تصدى للجبرية التي كانت مذهب السلطة وهو مذهب يسوغ ظلم السلطة وكُتب عنه أنه صاحب بدعة، ولو كان فعلا صاحب بدعة ما ولاه عمر بن عبد العزيز بيت مال المسلمين، ومعبد الجهني والجعد بن درهم أيضا رموا بالزندقة ونشر البدع  والسبب الحقيقي لمحاربتهم هو انضمامهم لثورة ابن سريج و ثورة ابن الأشعث  التي انضم لها الحسين بن علي والزبير بن العوام ، ولكن هذه الأسماء تُسقط عند الحديث عن ثورة ابن الأشعث  لأنها لصحابة معروفين وأحدهم حفيد النبي ( صلّى الله عيه وسلم ) فربط أسمائهم بهذه الثورة يعطيها قوة .

 

وقد يكون تبرئة الجعد بن درهم والدمشقي والجهني تماما من بعض الشوائب في العقيدة شيء من التطرف في التزكية فحجة بعض المفكرين أن مصادر تبرئة هذه الشخصيات من كتب المعتزلة الأعداء المعروفين للسلطة آنذاك، ولكن ربما هذا التقول وشوائب العقيدة منتشرة لدى أشخاص كثر ولم يطالهم أذى أو قتل، وشُوِّهت صورة الأسماء التي ذكرناها  فقط لمعارضتهم السياسية .

 

 

ومثال قريب للموقف من المعارض حيث يُعملَق في وقت المصالح المشتركة ونفس المعارض تُثار حوله الشبهات إذا اختلفت الأوضاع نرى سيد قطب في فترة الستينيات عندما كان هناك توتر بين المملكة ومصر عبد الناصر احتضنت السعودية أفكاره وتغنت بكفاحه ورُددت أبياته كأدبيات للنضال ” أخي أنت حرٌ بتلك القيود … أخي أنت حرٌ  وراء السدود” .وما إن انتهى ناصر وزال العدو المشترك وبدأت السعودية تتملل من نشاط الأخوان وتوجهاتهم وحديثهم عن العدالة الاجتماعية والسياسة وغيرها… حتى بدأت تترامى الشبهات حول سيد قطب واللمز بأشعريته – مع أن الأشعرية  ليست تهمه فقد تناقل الحنابلة أخبار النووي وابن حجر وهما أشعريان – . وأُنتقدت كتبه وتأويله للقرآن الكريم شيطنة من نوع آخر إثارة شكوك حوله حتى لا يتعدى الإعجاب بنضاله إلى الإعجاب برأيه حول أنظمة الحكم.

 

ويبقى النموذج الأبرز لتشويه سيرة شخصية تاريخية هي ( لابن المقفع ) هذه الشخصية التي لا نعرف عنها إلا أن الحجاج ضرب والده حتى تقفعت يداه فسمي بذلك ثم مات محروقا في الفرن وبين الضرب والحرق تاريخ حافل بالمطالبة بحقوق الناس طُمِست وزهدت كتب التاريخ في تسطيرها .

ابن المقفع صاحب الكتاب الذي يُصنف أحياناً بالأدبي  ” الأدب الصغير .. الأدب الكبير ” في حين هو من الآداب السلطانية يحذر فيه من صحبة السلطان وإن كان لابد من صحبته فبشروط يقول ” أن الطالب لصحبة الملوك لا يفلح حتى يشايعهم ويماثلهم ” وفي كتابه وصايا  تحذر من  منافقة ومداهنة السلطان . وما لا نعرفه عن ابن صاحب اليد المتورمة هو روحه الثورية وطموحه في أن يقود المفكرون الدولة وخضوع الدولة لهم يعني خضوع العملية الاجتماعية للعقل وهذا بالتأكيد ما يكرهه كل صاحب سلطة .

ومن سيرته التي غيبت مواقفه البطولية عندما طارد العباسيون المثقفين الموالين لبني أمية ومنهم عبد الحميد الكاتب أواه ابن المقفع ولما وصل الجند لبيت ابن المقفع وطلبوا عبد الحميد قال لهم المقفع أنا عبد الحميد لكنهم تعرفوا لعبد الحميد وأخذوه . قال عنه الجهشياري” كان  سخيا يطعم الطعام ويتسع على كل من أحتاج إليه, وقد أفاد من الكتابة لداود مالا، فكان يجري على جماعة من أهل البصرة والكوفة ما بين الخمسمائة والألفين كل شهر “.

وقد  وجه ابن المقفع إلى المنصور رسالته المشهورة ” رسالة الصحابة ” التي نقد فيها السلطة وأسلوب الحكم، ومن صلابته أمام السلطان أنْ أمرَه الخليفة المنصور أن يكتب أمانا لأحد الثائرين عليه من شيعة علي بن أبي طالب, وكان يعلم أن الخليفة ينوي أن يغدر به, فكتب كتابا يشير إلى أن الخليفة إن نكث بوعد الأمان, فخلافته باطلة . وهذا الذي جعل الخليفة يوعز لوالي البصرة سفيان بن معاوية بقتله . ودليل أن الخليفة كان وراء قتله عندما قدم  وفد يتهمون والي البصرة بقتل ابن المقفع قال الخليفة إن ابن المقفع حي لو أن هذا الباب انفتح ودخل ابن المقفع حيا فهل أقتلكم به ؟ فانصرفوا .

 

وظل ثأر الخلفاء من ابن المقفع متصلا فقد قال الخليفة المهدي “ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع ” .أما سبب هذا العداء فهي مطالبة ابن المقفع بحقوق الناس ومفاهيمه حول الدولة القومية التي تقترب كثيرا من المفهوم العصري حيث يرى أنه لابد من  إقامة المؤسسات العسكرية والمالية والقانونية, و تغيير هيكل السلطة بحيث يحميها المفكرون والمستنيرون, و تعديل العلاقة بين الحاكم والمحكوم, بإزالة الصبغة اللاهوتية عن الحاكم  يقول” أحق الناس بالسلطان أهل المعرفة, وأحقهم بالتدبير العلماء, وأحقهم بالفضل أعودهم على الناس بفضله”  ويدعوا دائما إلى أن يصبح بين المفكرين رباطا قويا لهذا خصص ابن المقفع غالبية أمواله لمساعدة العلماء حتى لا يضطروا إلى هجر العلم  فقد أراد  أن يجعل من الأدباء مؤسسة موحدة متعاونة و فاعلة . وما كان نقله لكتاب كليلة ودمنه لمجرد حوارات بريئة بين حيوانات بل كان نقله لمعاني عميقة جدا، وأضاف للكتاب رموزا حساسة كالعلاقة بين السلطان والمثقف و تأكيد مؤسسة القانون وشرح النتائج الخطيرة المترتبة على تقريب بطانة السوء.

ومن المطالب الأساسية لابن المقفع إقامة دولة القانون  ويضع ابن المقفع خطوات  للإصلاح في هذا المجال فشدد على وجود إطار مرجعي بين الجند وقادتهم يقول” أن الجندي سوف يقوم بواجبه خير عندما يكون هناك ضمان مكتوب بحقوقه, ولا يستطيع قادة الجند أن يتجاوزوه, وحتى يحتفظ الجندي بطبيعته كمحارب  يجب سد طريق الفساد والنهب أمامه، ومثال ذلك ألا يكلفوا بجباية الضرائب وذلك لأن الناس قد يخافونهم فيرشونهم، وعند ذلك يجترئ الناس عليهم” .ويرى أنه من الواجب تثقيف الجند ورفع مستواهم الأخلاقي والروحي . كما يرى وجوب تدوين الأراضي وتحديد خراجها حتى لا يتلاعب عمّال الخراج.

وفي رسالته للخليفة نبّه لوضع الأقليات حيث كانت الدولة العباسية حينها خليط من الشعوب والديانات وكانت سياسة الدولة الانتقام ممن يعارضها أو ممن يحن لمن قبلها فينادي بأن يعد جميع أبناء الأمة متساوين في  الحقوق والواجبات حيث لا جريمة إلا بنص، ولا عقوبة إلا بنص،  وأنه على الخليفة أن ينسى عداوة الماضي مع أهل الشام ويبدأ معهم بداية جديدة. ثم يضرب ابن المقفع أمثلة لتناقض الأحكام القضائية بحسب المنطقة والخلفية التي ينتمي لها المخطئ  ويقدم صورة لوضع القضاء  للخليفة فيقول ” هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرًا عظيما في الدماء والفروج  والأموال فيستحل الدم والفرج في الحيرة, وهما يحرمان في الكوفة، ويكون مثل هذا الاختلاف في جوف الكوفة, فيستحل منها ما يحرم في ناحية أخرى “.

ويشير ابن المقفع إلى أن مجتمع  بغداد كانت تُحكمه أربعة مذاهب الأمر الذي أدى إلى تناقضات الأحكام وفي هذا مخالفة صريحة لمفهوم مبدأ العدالة القانونية .

ومن اهتمام ابن المقفع على مبدأ ” عدم العقاب على التهمة ” نرى أنه أضاف إلى كتاب كليلة ودمنة بابا باسم ( باب الفحص في أمر دمنة) وأضاف قصتين مضمونهما يشير لشناعة أن يعاقب السلطان على الظن فإن الدم عظيم ومغبة هذا الأمر أن الأبرياء يدانون في حين البطانة الفاسدة التي اقترفت الجريمة تنال التكريم .

وقد بدا لأبن المقفع أن حلمه بالدولة التي يطمح لها قريبا للتحقق, خاصة أن المنصور نمط جديد من الخلفاء يحرص على المال العام  وأصبح للشعوب الأخرى والأقليات  دور متزايد في الدولة إلا أنه فوجئ  بحلمه يتهاوى خاصة في أمر علاقة المثقف بالسلطة، فتبين له أن المثقف لن يتاح له أن يكون موجها للسلطة, بل خادما لها و انتهى ابن المقفع ذاته بدعوى وتهمه دون تثبت أنه أدخل الفساد على التقاليد الإسلامية  حيث إتهم باعتناقه للعقيدة المانوية وأنه يخفي الزندقة واختصرت صورة المقفع في هذه الشائعات  ويقال أنه أفسد العقول ربما لأنه ترجم كتاب المنطق لأرسطو والعقول المفسدة هي من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد  وكل من يجعل للعقل العربي قيمة . و عجز المؤرخون عن رؤية مشروع ابن المقفع الصريح في الإصلاح والاعتراض على الفساد .و يؤكد كثير من رجال التحقيق هذه التهم على ابن المقفع واستشهادهم ببيتين من الشعر قيل أن المقفع قالها عندما مر ببيت من بيوت النار  تدل على حنينه للزرادشتية ولكنهم لم يطالعوا ما كتبه المقفع بيده كأنهم يحرقونه كل مرة .

يقول (غالب هلسا)” أن تصاغ كل مطالب ابن المقفع وكتابته في إطار التعصب الفارسي أو الزندقة فإن سوء النية الذي تمليه الارستقراطية العربية يبدوا واضحا, و قد كان حلم ابن المقفع أن يكون بيدبا لدبشليم ولم يكن يعلم أن الحكم المطلق عبارة عن مجموعة من المصالح والويل لمن يمسها” .

اليوم لن يُحرق المعارض أو حتى المُهتم بالشأن العام الذي لا يتزلف و ينتقد بصراحة، ولن يصلب ولن يقطع رأسه أو لسانه لكن ستُسلط عليه وسائل الإعلام للتشيك في نواياه لتتصيد زلاته في فضاء  الشبكات الاجتماعية ليقتص حديثه من سياقه لأخذ كلمة منه تدين النظام وتترك الآلاف الكلمات الإيجابية وينسى كل جهوده للتنمية والمشاركة والبناء ويُركَّز على كلمة أو موقف واحد من قضية معينة .


اترك تعليقك