غيلان الدمشقي دفع حياته من أجل الحرية والعدالة

كان غيلان الدمشقي أحد أبرز حملة لواء العقل والحرية والعدالة، ومن أشد المدافعين عن حرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، ومن أهم منظري الفكر السياسي في التاريخ الإسلامي، الذين أسسوا للفكر الديمقراطي ودافعوا عنه بقوة، وأثارت اجتهاداته وآراؤه مخاوف الحكام والولاة فاتهموه باتباع الفرق الضالة والإلحاد ودفع حياته ثمناً لذلك.

ويقول الدكتور كارم غنيم – رئيس جمعية الإعجاز العلمي للقرآن الكريم والسنة – ولد غيلان بن مسلم، وقيل ابن مروان أو ابن يونس سنة 106هـ / 724م، أصله مصري، وكان أبوه من موالي عثمان بن عفان، درس الفقه على الحسن البصري واشتهر في الشام كصاحب أشهر فرقة من فرق المتكلمين المسلمين تسمى “الغيلانية” نسبة إليه تقول إن الإنسان حر مختار في أفعاله، وكان غيلان وفرقته من أوائل الذين أظهروا هذا المذهب، وعارضوا الجبر والجبرية في عاصمة الدولة الأموية دمشق.

وكان الجبر والجبرية المذهب الذي يشجعه خلفاء بني أمية، لأنه يعفيهم أمام الناس من المسؤولية عن المتغيرات التي أحدثوها في نظام الحكم الإسلامي، فكان غيلان من قادة المعارضة السياسية والفكرية للأمويين، وينتقد سياسات الحكام والدولة الأموية الاجتماعية والاقتصادية والمالية، فضلاً عن عقيدتهم الجبرية المعادية للحرية، والتي كانت تتأسس عليها شرعيتها، ويهاجم طريقة حكمهم وتسلطهم على الناس وحياة البذخ التي كانوا يعيشون فيها على غرار أكاسرة الفرس وأباطرة الروم.

ويعد غيلان من أعلام الوعاظ والخطباء والكتاب البلغاء، يضعه العلماء والمؤرخون في طبقة ابن المقفع وسهل بن هارون وعبدالحميد الكاتب، وله رسائل ضاعت، يقول عنها ابن النديم إنها بلغت ألف صفحة.

صفاته

عرف غيلان بالشدة في الحق، ولم يكن يخاف في الله لومة لائم، واستعان عمر بن عبدالعزيز بغيلان الدمشقي إبان خلافته، وعهد إليه ببيع الخزائن ورد المظالم التي صادرها عمر من أمراء بني أمية، وبذل جهده في رد المال من الأمراء إلى بيت المال، وإنصاف الذين ظلمهم الولاة والقضاة، مما أثار حقد بعض الأمراء عليه، وذكر أحمد بن يحيى بن المرتضى أنه: “كان واحد دهره في العلم والزهد والدعاء إلى الله وتوحيده وعدله. وقتله هشام بن عبدالملك، وقتل صاحبه صالحاً. وسبب قتله أن غيلان لما كتب إلى عمر بن عبدالعزيز كتاباً قال فيه: “أبصرت يا عمر وما كدت، ونظرت وما كدت. أعلم يا عمر أنك أدركت من الإسلام خلقاً بالياً، ورسماً عافياً. فيا ميت بين الأموات! لا ترى أثراً فتتبع، ولا تسمع صوتاً فتنتفع. طفئ أمر السنة، وظهرت البدعة. أخيف العالم فلا يتكلم، ولا يعطى الجاهل فيسأل. وربما نجت الأمة بالإمام، وربما هلكت بالإمام، فانظر أي الإمامين أنت، فإنه تعالى يقول: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) “الأنبياء 73”، فهذا إمام هدى ومن اتبعه شريكان، وأما الآخر فقال تعالى: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون) “القصص، 41”، ولن تجد داعياً يقول: تعالوا إلى النار – إذا لا يتبعه أحد – ولكن الدعاة إلى النار هم الدعاة إلى معاصي الله. فهل وجدت يا عمر حكيماً يعيب ما يصنع، أو يصنع ما يعيب، أو يعذب على ما قضى، أو يقضي ما يعذب عليه؟ أم هل وجدت رشيداً يدعو إلى الهدى ثم يضل عنه؟ أم هل وجدت رحيماً يكلف العباد فوق الطاقة أو يعذبهم على الطاعة؟ أم هل وجدت عدلاً يحمل الناس على الظلم والتظالم؟ وهل وجدت صادقاً يحمل الناس على الكذب والتكاذب بينهم؟ كفى ببيان هذا بياناً، والعمى عنه عمى – في كلام كثير”.

متاع الظلمة

كما تحكي المصادر التاريخية أنه وقف حين ولاه عمر بيع الخزائن ورد المظالم يقول: “تعالوا إلى متاع الخونة – يقصد الحكام الأمويين – تعالوا إلى متاع الظلمة، تعالوا إلى متاع من خلف رسول الله في أمته بغير سنته وسيرته، وكان فيما نادى عليه جوارب خز – حرير – فبلغ ثمنها ثلاثين ألف درهم وقد ائتكل بعضها فقال غيلان: “من يعذرني ممن يزعم أن هؤلاء كانوا أئمة هدى وهذا يأتكل والناس يموتون من الجوع”؟ فمر به هشام بن عبد الملك الذي سيصبح خليفة بعد اغتيال عمر بن عبدالعزيز، فقال: “هذا يعيبني ويعيب آبائي، والله إن ظفرت به لأقطعن يديه ورجليه”، فلما تولى الخلافة بعد عمر هشام بن عبدالملك، أراد الانتقام من غيلان الدمشقي، وكان غيلان قد خرج وصاحبه صالح إلى أرمينية، فأرسل إلى ولاته لاعتقاله فكدوا واجتهدوا حتى قبضوا عليه وأرسلوه إلى قصر الخليفة، وهُناك كان الخليفة ينتظره وقد أعد لمناظرته أحد الفقهاء من أقطاب مدرسة الحديث الإمام الأوزاعي، وقيل ميمون بن مهران الذي حكم بالزندقة، وأفتى بقتله.

صلبه

قرر الخليفة أن يصلبه على أحد أبواب دمشق ويقطع يديه وقدميه، وحاول أعداؤه أن ينتصروا عليه وهو على الصليب، فقال له أحدهم: “أنظر إلى ماذا فعل بك ربك” يريدون منه الإقرار بمذهبهم، لكنه رغم آلامه لم ينخدع فقال لهم بأعلى صوته: “بل لعن الله من فعل بي ذلك”، مؤكداً مذهبه ونافياً أن يكون ما حدث له هو من الله تعالى، واستمر يهاجم الظلم والطغيان وهو على الصليب، مما جمع الناس من حوله، فذهب خصومه إلى الخليفة لنصحه وحثه على قطع لسانه، فلما أمر بذلك، توفى غيلان الدمشقي بعدها مباشرة في سنة 125 هـ، وفرح خصومه من أركان الدولة الأموية بمقتله وقالوا: “إن قتله أفضل من قتل ألفين من الروم”.

واشتهر غيلان بين جيرانه ومعاصريه، بصلاحه وتقواه وورعه، وشهد له العلماء الثقات بمكانته الفكرية والدينية الكبيرة، قال عنه الذهبي: “غيلان بن غيلان المقتول في القدر، ضال مسكين”، وتنبأ له أستاذه الحسن بن محمد بن الحنفية، بهذا المصير عندما أشار إليه فقال: “أترون هذا؟! انه حجة الله على أهل الشام – بني أمية – ولكن الفتى مقتول”.

الرافض لفكرة احتكار السلطة

كان رأي غيلان في الإمامة والخلافة أنها تصلح في كل من يجمع شروطها، حتى ولو لم يكن من قبيلة قريش مخالفاً بذلك بني أمية والشيعة على حد سواء، ويرفض صراحة فكرة احتكار السلطة، وكان يقول: “فكل من كان قائماً بالكتاب والسنة فهو مستحق لها، ولا تثبت إلا بإجماع الأمة”، ولقد كان بهذا الرأي – ضرورة إجماع الأمة – طاعناً في شرعية الخلفاء الأمويين، وكان يقول بأن الله تعالى لا يأمر ولا يرضى بأفعال المعصية، بل الإنسان هو صانعها، وهو المسؤول عنها. وبالرغم من أنه يعد – رحمه الله – أحد أكبر الذين دافعوا عن حرية الإنسان وعن العدالة، الرافضين مفاهيم وأفكار القدر التي روج لها الأمويون لتبرير استيلائهم على السلطة، إلا أن كتب التاريخ لم تنصفه، وحتى الآن لم نجد من يقف إلى جانبه ويعيد الاعتبار له سوى كتابات قليلة جداً.

 

كاتب المقال : عمرو أبو الفضل عن جريدة الاتحاد

 


اترك تعليقك