غيلان الدمشقي.. الثائر من أجل العدالة

الحدث التاريخي هو نواة التاريخ وسبب قيامه، والتاريخ في صفحاته متعدد الاتجاهات، والابطال هم الذين يصنعون تاريخهم، ومثلما وجد أبطال من الملوك والأمراء والقادة والفرسان والشعراء من الرجال والنساء الذين أوفاهم التاريخ والمؤرخون حقهم ونالوا مكانتهم المميزة في الذاكرة الشعبية، وشاعت سيرهم وحفظت أخبارهم في سجلات المؤرخين وعند الخاص والعام، فان كثيرين غيرهم من المغمورين في التاريخ الذين لا يقلون عن هؤلاء بطولة وتأثيراً لم يأخذوا حقهم في الشهرة في الذاكرة الشعبية ولم تنل سيرهم وأفعالهم حظها في الذيوع، او ان انتشارها ظل محصورا في إطار مكاني محدود وفي افق معرفي ضيق.

وقد يكون مرد ذلك لعدة أسباب منها طغيان أحداث كبرى واشتهار شخصيات أخرى في زمنهم مما كانت شهرتها على حساب، أو سقوط إمكانهم ومناطقهم في دائرة الإهمال والنسيان لبعدهم عن مواطن الحضارة ومراكز المعرفة. ولا يعني ذلك أنهم مجهولون تماما فقد يكون هؤلاء المغمورون معروفين لدى أهل العلم من المتخصصين والباحثين او يكونون مشهورين في بلدانهم او طوائفهم او جماعاتهم، لكن سيرتهم لم تتجاوز الإطار الجغرافي أو الزماني الذي صنعوا أحداثه. ومن اجل هؤلاء الأبطال المغمورين في التاريخ نقدم هذه السلسلة.

هو غيلان بن مسلم الدمشقي، اختلف في اسم أبيه. عاش غيلان بدمشق التى نُسب إليها، بقرب أحد أبواب دمشق (باب الفراديس) فى زقاقٍ فقير، وكان حسبما ذكر ابن بطة العكبري قبطياً، فأسلم. درس على الحسن بن محمد بن الحنفية بن علي بن ابي طالب في المدينة، وكان من الوعاظ والكتاب والخطباء المفوهين، وكان صاحب مدرسة فقهية سميت «الغيلانية».

يروي المؤرخ البغدادي أن الحسن بن محمد بن الحنفية كان يقول عن غيلان إنه «حجة الله على أهل الشام ولكن الفتى مقتول…».

وقال عنه المؤرخ الذهبي وهو احد رموز المدرسة السلفية التقليدية «غيلان بن غيلان المقتول في القدر. ضال مسكين».

كان غيلان يقود المعارضة ضد الأمويين في الشام، وكان ينتقد الدولة الأموية وسياساتها الاجتماعية والاقتصادية والمالية، فضلا عن عقيدتها الجبرية المعادية للحرية، والتي كانت تتأسس عليها شرعيتها. وينسب إليه دور أساسي في نشر فكر تنويري واجه به إيديولوجيا الجبر الأموي وإيديولوجيا التكفير (الخوارج).

واستطاع أن يستقطب أتباعا كثيرين من مختلف الأوساط، بما في ذلك حاشية الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي كان قد اختاره مؤدبا لولده سعيد.

صراع فكري

في خضم الحرب الأهلية التي أعقبت الصراع الدموي على الخلافة وانقسام المسلمين إلى طوائف وأحزاب مختلفة كل واحدة تدعي أحقيتها في الوصول إلى السلطة، مستخدمة في سبيل ذلك كل الوسائل الممكنة، اندلع صراع فكري يستخدم الدين لتبرير المعتقدات السياسية. فقد روج الأمويون لمفهوم القضاء والقدر والإرادة الإلهية، في حين تبنى الشيعة مفاهيم الوصية والعصمة، أما الخوارج فقد واصلوا تنفيذ منهج التكفير والمقاومة المسلحة، كما ظهرت تيارات أخرى مثل الأشاعرة، القدرية، الأوائل، والمرجئة والمعتزلة.

في ذلك العصر كان الكثير من العلماء والفقهاء يشترطون «القرشية» للحكم، وكان غيلان يرفض ذلك الشرط فهي عنده ليست شرطا للإمامة، بل تصلح لغير قريش، وكل من كان قائما بكتاب الله والسنة كان مستحقا لها. وهي لا تثبت إلا بإجماع الأمة ويلتقي معه في هذا الرأي الخوارج الذين رفضوا فكرة القرشية.

وقامت الغيلانية بنشاط سياسي مهم ضد الأمويين، وفي عاصمتهم دمشق بالذات التي كان يسكنها غيلان، واستمر غيلان يحرض الناس على الاُمويين وأنصارهم في استنكار مقولتهم الجبرية، حتّى أحسّ أنّهم طلبوه، فهرب منهم.

عمر بن عبد العزيز يحاور غيلان

مع تولي الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز طرأ تغير جوهري على العلاقة بين الدولة الأموية والجماعات المعارضة، فبعدما كان السيف هو أسلوب الحوار بين الطرفين، اتبع الخليفة العادل عمر بين عبد العزيز أسلوب الحوار والمجادلة الكلامية مع الفرق المعارضة، ولم يستثن في ذلك حتى اشد الجماعات تطرفا وهم الخوارج، الذين استقبل عمر بن عبد العزيز موفديهم وحاورهم.

فلمّا رأى غيلان من الخليفة الجديد عدلاً كتب إليه كتاباً يذكّره فيه ويعظّم عليه مقولة سَلَفه.

فاستدعى الخليفة عمر بن عبد العزيز غيلان لشيء بلغه في القدر، وقال له: يا غيلان بلغني أنك تتكلم في القدر.

قال غيلان: يُكْذَبُون عليَّ يا أمير المؤمنين، يقال عليَّ ما لا أقول.

قال: ما تقول في العلم؟

قال: نفذ العلم.

قال: أنت مخصوم، اذهب الآن فقل ما شئت. يا غيلان، إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت، وإنك إن تقر به فتخصم، خير لك من أن تجحد فتكفر.

ثم قال له: أتقرأ «يس»؟ فقال: نعم.

قال: اقرأ. قال: فقرأ يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إلى قوله: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ «يس: 1-7». قال: قف كيف ترى؟ قال: كأني لم أقرأ هذه الآية يا أمير المؤمنين. قال: زد. فقرأ: إِنا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ وجَعَلنَا مِن بين أيديهم سدا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ «يس: 8-9». فقال له عمر: قل وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ «يس:9-10». قال: كيف ترى ؟. قال: كأني لم أقرأ هذه الآيات قط، وإني أعاهد الله أن لا أتكلم في شيء مما كنت أتكلم فيه أبداً. قال: اذهب. فلما ولىَّ قال: اللهم إن كان كاذباً بما قال فأذقه حر السلاح. قال: فلم يتكلم زمن عمر،

رد المظالم

استعان الخليفة بغيلان الدمشقي في تطبيق إصلاحاته السياسية والاقتصادية، وفي تصفية الأموال التي صادرها من أسرته الأموية وردها لبيت مال المسلمين. وعرض عليه الخليفة عمر اختيار منصبه، فطلب منه أن يتولى «بيع الخزائن ورد المظالم» وهو اختيار له مغزاه. إنه لم يختر لا الولاية ولا القضاء بل اختار وظيفة ليس فيها مكاسب وإنما رد المظالم، أي إنصاف الذين ظلمهم الولاة والقضاة.

وقام غيلان بجمع الممتلكات المنهوبة من بيت المال من يد الأمراء والوزراء والكبراء، ووضعها في مزاد عام، حيث وقف ينادي الناس ويقول: تعالوا إلى متاع الخونة تعالوا إلى متاع الظلمة، تعالوا إلى متاع من خلف الرسول في أمته بغير سنته وسيرته.

وكان فيما نادى عليه جوارب حرير فبلغ ثمنها ثلاثين ألف درهم وقد ائتكل بعضها، فقال غيلان: من يعذرني ممن يزعم أن هؤلاء كانوا أئمة هدى وهذا يئتكل والناس يموتون من الجوع…

انتقام هشام بن عبد الملك

وصلت هذه العبارات العنيفة إلى مسامع هشام بن عبد الملك (الذي سيصبح خليفة بعد وفاة عمر بن عبد العزيز وخليفته يزيد بن عبد الملك) فقال: هذا يعيبني ويعيب آبائي، والله إن ظفرت به لأقطعن يديه ورجليه.

ولسوء حظ غيلان والأمة بأكملها لم يطل عهد عمر بن عبد العزيز، فتوفي بعد عامين ونصف من حكم عادل أعاد للدولة دورها الحقيقي كضامن للعدل بين الناس.

بعد تولي هشام بن عبد الملك السلطة هرب غيلان إلى أرمينية واخذ ينشر عيوب الخليفة هشام وأخبار ظلمه وظلم بني أمية الذين يزعمون أنهم يحكمون بقضاء من الله وقدره، وأنه لا مهرب من القضاء والقدر.

فأمر الخليفة هشام بإحضار غيلان وحبسه، استعدادا لقتله. وأرسل الخليفة إلى الإمام الاوزاعي في بيروت للقدوم الى العاصمة دمشق ليناظر غيلان ويكفره.

ولما حضر الأوزاعي قال له هشام: يا أبا عمر ناظر لنا هذا القدريّ.

فقال الأوزاعي مخاطباً غيلان: اختر إن شئت ثلاث كلمات وإن شئت أربع كلمات وإن شئت واحدة.

فقال غيلان: بل ثلاث كلمات.

فقال الأوزاعي: أخبرني عن الله عزّ وجلّ هل قضى على مانهى؟

فقال غيلان : ليس عندي في هذا شيء.

فقال الأوزاعي: هذه واحدة. ثمّ قال: أخبرني عن الله عزّ وجلّ أحال دون ما أمر؟

فقال غيلان: هذه أشدّ من الأولى، ما عندي في هذا شيء.

فقال الأوزاعي: هذه اثنتان يا أمير الموٌمنين، ثمّ قال: أخبرني عن الله عزّ و جلّ هل أعان على ما حرّم؟

فقال غيلان: هذه أشدّ من الأولى والثانية، ما عندي في هذا شيء.

فقال الأوزاعي: هذه ثلاث كلمات. فأمر هشام فضربت عنقه. ثمّ إنّ هشاماً طلب من الأوزاعيّ أن يفسّر له هذه الكلمات الثلاث. فقال الأوزاعي: أمّا الأوّل فإنّ الله تعالى قضى على ما نهى، نهى آدم عن الأكل من الشجرة ثمّ قضى عليه بأكلها. أمّا الثاني فإنّ الله تعالى حال دون ما أمر، أمر إبليس بالسجود لآدم ثمّ حال بينه وبين السجود، وأمّا الثالث، فإنّ الله تعالى أعان على ما حرّم، حرّم الميتة والدم ولحم الخنزير، ثمّ أعان عليها بالاضطرار…

ويروي المؤرخ ابن عساكر، أن الخليفة قال لغيلان فى مجلس الخلافة : مُدّ يدك. فمدَّها، فضربها بالسيف فقطعها، ثم قال: مُدَّ رجلك. فقطعها بالسيف.

وبعد حين مَر به رجل والذباب على يده (المقطوعة) فقال له: يا غيلان، هذه قضاءٌ وقَدَرٌ! فقال: كذبتَ، ما هذا قضاءٌ ولا قَدَر. وصلبه على باب كيسان في دمشق لكن غيلان استمر في انتقاد الأمويين حتى وهو مصلوب فأمر هشام بقطع لسانه، فمات

  • صالح السعيدي


اترك تعليقك